القاضي عياض
51
شرح الشفاء ( شرح ملا علي القاري )
في جميع الحالات ( حتّى في المباحات وشهوات النّفس ) أي فيحبون ما اشتهاه ويتكلمون بمقتضاه ويكلفون أنفسهم بموافقة ما يهواه مبالغة في طاعة مولاه ( وقد قال أنس رضي اللّه تعالى عنه حين رأى النّبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم يتتبّع الدّبّاء ) بالمد ويقصر أي يطلبه ( من حوالي القصعة ) بفتح اللام والقاف أي من أطرافها لكمال محبته له ( فما زلت ) أي ما دمت وعشت ( أحبّ الدّبّاء من يومئذ ) بفتح الميم وكسرها أي من حين رأيته يتتبعه ويأكل حبا له لحبه عليه الصلاة والسلام إياه وروي عن أنس رضي اللّه تعالى عنه أنه ما صنع لي طعام ويوجد الدباء إلّا وقد جعل فيه وقد روي في مجلس أبي يوسف أنه عليه الصلاة والسلام كان يحب الدباء فقال رجل أنا ما أحب الدباء فسل له السيف وقال جدد الإسلام وإلّا قتلتك نظرا إلى ظاهر معارضته له عليه الصلاة والسلام ( فهذا الحسن بن علي وعبد اللّه ابن عباس وابن جعفر رضي اللّه تعالى عنهم ) أي ابن أبي طالب ( أتوا سلمى ) أي خادمته صلى اللّه تعالى عليه وسلم ومولاة له أو مولاة عمته صفية زوجة أبي رافع قابلة ابنه إبراهيم وداية ابنته فاطمة وغاسلتها مع أسماء بنت عميس قال الحلبي في الصحابيات وسلمى غير هذه خمس عشرة امرأة وإنما يدل على أنها المراد هنا ما أخرجه الترمذي في الشمائل بسنده عنها أنهم أتوها ( وسألوها أن تصنع لهم طعاما ممّا كان يعجب رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ) أي يشتهيه ويستحسن أكله فقالت يا بني لا تشتهيه اليوم قال بلى اصنعيه لنا فقامت وأخذت شيئا من الشعير فطحنته ثم جعلته في قدر وصبت عليه شيئا من الزيت ودقت الفلفل والتوابل فقربته فقالت هذا مما كان يعجب النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ويستحسن أكله ( وكان ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما ) على ما في الصحيحين وأما ما وقع في أصل الدلجي من ابن عباس بدل ابن عمر فليس في محله ( يلبس ) بفتح الموحدة ( النّعال السّبتيّة ) بكسر السين نسبة إلى السبت وهو جلد البقر المدبوغ بالقرظ وهو ورق السمر وقيل صمغه يتخذ منه النعال سميت بذلك لأن شعرها قد سبت عنها أي أزيل وقيل منسوبة إلى موضع يقال له سوق السبت بالكسر ( ويصبغ ) بتثليث الموحدة وضمها أشهر ( بالصّفرة ) أي بالحناء ( إذ رأى النّبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم يفعل ذلك ) أي مثل ما ذكر من لبس النعال السبتية وصبغ اللحية بالصفرة لكمال المتابعة في الهيئة الموافقة من الكمية والكيفية ( ومنها ) أي من علامات محبته عليه الصلاة والسلام ( بغض من أبغض اللّه ورسوله ) بالنصب في النسخ المصححة أي من أبغضهما ووقع في أصل الدلجي بالرفع فقال أي من ابغضاه والأول أيضا قد نص عليه الحلبي وهو الأظهر فتدبر لأن بغض اللّه تعالى للعبد إرادة عقابه وإيقاع الهوان به وهذا غير معلوم لنا بخلاف من ظهر منه بغضهما كأبي لهب وأبي جهل ونحوهما واسم اللّه للتزيين وللإشعار بأن من أبغض رسوله فقد أبغضه وإلّا فلا يوجد في العالم من أبغض اللّه تعالى فكل يدعي محبته إلا أن أكثرهم أخطئوا طريق ما يقتضي مودته ولذا اكتفى بضميره عليه الصلاة والسلام في قوله ( ومعاداة من عاداه ) أي من اتخذه عليه